Yahoo!

المسألة الجهوية وقضايا التنظيم الترابي المغربي

كتبها najib salah ، في 10 مارس 2007 الساعة: 14:58 م

: في مفهومه النظري العام، أي المجال الشمولي، المادي والرمزي، الذي ينتظم العلاقات والتفاعلات الآنفة.

ـ الأمة: كتعبير عن توجهات فكرية وثقافية وعقائدية وحضارية معينة، والتي ترتبط بالانتماء إلى هوية محددة قد تتجاوز أحيانا حدود الانتماء الجغرافي أو الإثني لترتبط بخصوصيات أعم وأشمل.

هكذا إذن، وفي إطار هذا السياق الغربي الموسوم بالعديد من سمات التكامل والتوافق –ولكن ضمن حدود نسبية معروفة- تبلورت مفاهيم: "الجهة، والجهوية، واللامركزية" كآليات تدبيرية تهدف إلى إقامة قطيعة مع الآليات التقليدية كالعلاقات العشائرية، والقبلية، والقرابية، والزبونية… المتسمة بالعديد من مظاهر اللاعقلانية. إلا أن

في ثقافة تدبير الاختلاف:

المسألة الجهوية وقضايا التنظيم الترابي

المغرب نموذجا

 

 تمهيد: نحو منظور سوسيولوجي نقدي لمقاربة "المسألة الجهوية".

تبرز الأبحاث السوسيولوجية والأنثروبولوجية والتاريخية وغيرها من البحوث الاجتماعية أن مسألة تدبير الشأن العام في كل مجتمع هي مسألة سوسيوثقافية بالأساس أي أنها وثيقة الارتباط بمنظومة القيم والرموز والأعراف والعادات والتقاليد والقوانين السائدة في مجتمع محدد .

ويستفاد من معطيات التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي… لمجتمعاتنا الثالثية والعربية أنها قد عرفت أشكالا متعددة من التنظيم والهيكلة والتوجيه لمسألة تدبير دواليبها الاجتماعية المختلفة. كما أن هذه الأشكال قد كانت –ولا تزال ضمن حدود معينة- متباينة من حيث نمط ومستوى التنظيم والفعالية والمشاركة وضبط علاقات المجتمع بالهياكل الاجتماعية والسياسية المسيرة والمتحكمة في السلطة وفي توجيه وتدبير الشأن العام. ويرجع هذا التباين –كما أسلفنا- إلى ارتباط هذه الأنماط من التنظيم بالمنظومات الثقافية، وبالهياكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة في المجتمع.

وهكذا فإذا أخذنا نموذج المغرب كبلد عربي ثالثي أمكننا القول –على سبيل الإشارة والتمثيل لا الحصر- إن مفهوم "الجماعة: Commune/Collectivité"، ومفهوم "القبيلة: Tribu"، ومفهوم "المخزن: Makhzen" تعتبر من بين أبرز المفاهيم المفتاحية الأساسية لتحليل وفهم طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي والثقافي في المجتمع المغربي الحديث والمعاصر، وخاصة فيما قبل وأثناء المرحلة الكولونيالية، بل وبعدها أيضا. فلقد كانت هذه الأطر والهياكل الاجتماعية التنظيمية، ولا سيما في فترة ما قبل الظاهرة الاستعمارية، أطرا فاعلة، منتجة، ومندمجة في محيطها السوسيوثقافي العام، متفاعلة ومتكاملة –ضمن شروط وحدود معينة- مع غيرها من المؤسسات والمكونات الاجتماعية المركزية الأخرى مثل: المسجد، والزاوية، والأسرة…الخ. غير أن التدخل الاستعماري قد عمل، كما هو معروف، على تحطيم العديد مما كانت تتوفر عليه مجتمعاتنا الثالثية من بنيات وهياكل اقتصادية واجتماعية وسياسية… "تقليدية"، فارضا عليها نماذج وبدائل غريبة عنها، ومحتفظا، من هذه الأطر والهياكل التقليدية المتآكلة، والمتواجدة خارج التاريخ في منظور الفكر الاستعماري، بما يخدم مصالحه الضمنية أوالمعلنة، ومبررا ذلك، في الوقت ذاته، بالدور التاريخي والحضاري والإنساني المزعوم للاستعمار والمتمثل في "رسالته التحضيرية والتحديثية" التي سوف ينجزها في مجتمعاتنا المتخلفة حين سيساهم، كما كان يدعي، في إخراجها مما هي عليه من تأخر تاريخي وعلمي وثقافي وتكنولوجي إلى دنيا التقدم والنماء والحداثة التي وصلتها المجتمعات الغربية المتقدمة.

إلا أن الدولة الحديثة التي قامت في مجتمعاتنا الثالثية والعربية والتي طرحت نفسها كبديل "وطني" وتاريخي وسياسي للاستعمار، مؤسسة وتوجهات فكرية وحضارية…، قد أبانت، خلال عقود من الاستقلال الشكلي لهذه المجتمعات، عن تخبطها، بل عن عجزها فيما يتعلق بتدبير تمايزات واختلافات ومشكلات هذا الوضع الهجين الذي تعيشه حاليا، وضع المراوحة بين "تقليد" فقد، بفعل عوامل وإكراهات الاستعمار والتبعية والتخارج والعولمة الشاملة حاليا، الكثير من سماته ومقوماته "الأصيلة"، وبين "حداثة أو تحديث" مشوهين.

ويستخلص من الأدبيات التنموية والسياسية، وكذا من التجارب والنماذج والبرامج والاستراتيجيات وخطط التنمية الاجتماعية المعتمدة في بلدان العالم الثالث أن كل مجتمع قد حاول إدارة "تنميته أو مشكلات تخلفه" بشكل ظل مرتهنا، على العموم، بالشروط الخاصة، بثقافته، وطبيعة تركيبته الاجتماعية والسياسية، وإمكاناته المادية والبشرية، وأيضا بنمط علاقاته وتوجهاته سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي. هذا مع العلم بأن القاسم المشترك الذي يظل حاضرا بين هذه المجتمعات هو اندراجها في إطار أوضاع التخلف والتهميش التي ترتبط بشروطها ومقوماتها الذاتية، كما ترتبط بالسياسات والسيناريوهات الدولية لتقسيم النفوذ .

وإذا كنا لا نرمي من وراء هذا العرض إلى مقاربة كل القضايا والمفاهيم الآنفة المتعلقة بأوضاع مجتمعاتنا الثالثية: ماضيا، وحاضرا، وتوجهات مستقبلية، مما لا ينسجم مع محدودية هذه المساهمة وظرفيتها، فإننا سنركز هنا على محاولة مقاربة بعض مفاهيم ومكونات الخطاب التنموي المعاصر في مجتمعاتنا هذه، والذي تراهن أهدافه ومقترحاته على إخراج هذه المجتمعات مما عليه من تخلف شامل ومعقد إلى فضاءات التجديد، والتجدد، والتنمية، والحداثة، ونقصد بذلك مفهوم "الجهوية: Régionalisme" كسياسة تدبيرية وتشاركية وعقلانية وديمقراطية ولا مركزية لإدارة الشأن العام، وكذلك ما يرتبط بهذه السياسة مما نقترح تسميته بـ"المسألة الجهوية: Question Régionale/Régionaliste" ونعني بذلك ما تثيره مفاهيم ومكونات الجهة، والجهوية، والجماعات المحلية، والتنمية الجهوية… من قضايا وتساؤلات ومشكلات فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية متعددة الأبعاد والدلالات، وذلك على اعتبار "الجهوية" كسياسة وتوجهات، وكبناء تنظيمي، ليست بمثابة هيكلة مستقرة أو هامدة وإنما هي سيرورة ديناميكية من التنظيم والبناء وتفاعل المصالح والرهانات والتفاعلات… وطنيا وجهويا بل وحتى دوليا كذلك، ولذا فإن الجهوية تظل، بفعل هذه الدينامية الحية، متفاعلة مع شروطها التاريخية، وبالتالي تظل مسألة فرعية ضمن ما يعرف بـ"المسألة الاجتماعية:Question Sociale" في مدلولها السوسيولوجي الشمولي.

وتأسيسا على ما سبق، فإن مقاربة هذه "المسألة الجهوية"، بما هي مسألة متعددة الأبعاد والجوانب، تحتاج إلى تدخل اختصاصات ومنظورات متعددة ومتكاملة في الآن ذاته أيضا. ولعل المنظور السوسيولوجي –الذي سنستأنس به في هذه المساهمة للاقتراب من هذه المسألة المبحوثة مع العلم بأن المنظورات والمقاربات الأخرى تظل، بالنسبة لهذا المقترب السوسيولوجي، متكاملة معه ومثرية له باستمرار.

هكذا إذن، وانطلاقا من موجهات هذا التمهيد، ورغبة منا في إنجاز ملامسة مركزة لأهم جوانب المسألة المبحوثة، نقترح أن نمحور هذه العرض حول ما يلي:

+ المحور الأول: حول السياق السوسيوتاريخي والحضاري الغربي لتبلور مفهوم                 الجهوية وثقافة التدبير الديمقراطي للتعدد والاختلاف.

+ المحور الثاني: أهم الأهداف الاجتماعية والتنظيمية لسياسة "الجهوية".

+ المحور الثالث: حول أهم محددات السياق السوسيوتاريخي لسياسة "الجهوية" بالمغرب.

+ المحور الرابع: السياسات الجهوية بالمغرب: أبرز العوائق والمشكلات.

+ الحور الخامس: أزمة التجربة الجهوية بالمغرب: عن أهم شروط وبدائل التجاوز   والتأسيس.

يتضح من المضامين المباشرة لهذه المحاور أنها يمكن أن تشكل مداخل هامة لطرح ومناقشة العديد من القضايا المرتبطة بـ"المسألة الجهوية". وبالتالي فإن كل محور منها يحتاج إلى دراسة، بل دراسات معمقة. غير أننا سنحاول هنا –لاعتبارات منهجية - أن نركز في مناقشة هذه المحاور على ما هو هام، دال، ومعبر.

المحور الأول: حول السياق السوسيوتاريخي والحضاري الغربي لتبلور مفهوم الجهوية وثقافة التدبير الديمقراطي للتعدد والاختلاف.

باستقرائنا للمعالم البارزة في هذا السياق الغربي نجد أن "الجهوية" كآلية تدبيرية لتعزيز لا مركزية صنع القرار وتصريف مقتضياته، ولدمقرطة تسيير وتنظيم وهيكلة اختلافات دواليب ومجالات ومكونات ومؤسسات المجتمع، هي –بهذا المعنى العام- مفهوم حديث التبلور، وإن كانت له سوابق تاريخية أصبحت، في مجتمع العقلنة والتنظيم والمأسسة، تقليدية متجاوزة. غير أننا، لكي ندرك دلالة هذا المفهوم في الخطاب التنموي المعاصر، يبدو من المفيد أن نؤطره تاريخيا لنتعرف على السياق الذي أفرزه، وأيضا على السياقات المغايرة التي نقل إليها ووظف فيها، ثم على أهم عوائق وعواقب هذا النقل أو التوظيف، وما يطرحه كل ذلك من تفكير في شروط وآفاق وبدائل التجاوز. وهكذا يمكن أن نذكر، فيما يخص السياق الغربي تحديدا، بالملاحظات الآتية:

+ لقد ظهر مفهوم الجهوية –بالمعنى السابق- في إطار المجتمعات الغربية وما عرفته، في تاريخها الحديث والمعاصر، من تحولات معرفية وسياسية وتكنولوجية واجتماعية وحضارية متعددة مست كافة المجالات والأصعدة. وقد كان من بين أهم ما أفرزته هذه التحولات تأسيس "دولة وطنية: Etat National" كانت بمثابة تتويج تاريخي للمشروع -أو المد- البورجوازي الذي قادته البورجوازية الغربية بكل فصائلها، والذي كان بمثابة البديل الاجتماعي والسياسي والفكري للنظام الإقطاعي المتداعي، بنيات وهياكل اجتماعية وأنساقا قيمية وعقائدية..

غير أنه، في بداية تشكل هذه الدولة الوطنية، كانت قد اهتمت بأن تكون سلطتها مركزية بالأساس. وذلك بحكم انشغالها الكبير ببلورة "مشروع مجتمعي: Projet sociétal" وفاقي، متكامل المكونات، واضح الأهداف والمقاصد والتوجهات الفكرية والسياسية. لذا فقد كان "البعد -أو الهم- المركزي" حاضرا في بداية تشكل هذه الدولة الوطنية في الغرب. وذلك دون أن يلغي هذا الواقع طابعها الديمقراطي المستنير. وللتدقيق، فإننا نتكلم هنا عن المجتمعات الغربية في مناخ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بشكل خاص.

ومع تسارع وتيرة التحول والتغير الاجتماعيين، وما كان لذلك من انعكاسات على كافة الأصعدة، برزت مجموعة من القضايا والمشكلات والحاجات.. الجديدة في الغرب طرحت الجهوية كاختيار تدبيري لتمايزات المجتمع، يهتم بجميع جهاته ومجالاته وقطاعاته الإنتاجية المتعددة. ولعل من أهم نتائج التحولات الآنفة، والتي كانت –بشكل أو بآخر- وراء تدعيم تبني سياسة "الجهوية"، "تقسيم العمل الاجتماعي: La division du travail social": ومعنى ذلك أن المجتمعات الحديثة، ونظرا لتعدد وتعقد مكوناتها: (مؤسسات، وبنيات، وعلاقات، وأنماطا معرفية وقيمية..الخ) قد أصبحت تتطلب ما يدعى بـ: "التخصص الوظيفي: Spécialisation Fonctionnelle" بحيث نجد أن كل فرد، وكل جماعة، أو جهة، أو قطاع، أو مؤسسة، أو مجال… يجب أن يكون له تخصص معين مضبوط ينتظر منه أن يشتغل في إطاره داخل حدود الأهداف والوظائف المرسومة له من طرف المجتمع العام. ويتوقع، في إطار الالتزام بمعايير ومقتضيات هذا التخصص، أن يصبح القطاع، أو الجهة، أو المؤسسة المعنية.. أكثر إيجابية ومردودية.

+ تطور مفاهيم الديمقراطية ومبادئ تكافئ الفرص الاجتماعية: Démocratie et égalité des chances، أفقيا: بين جهات ومناطق ومجالات المجتمع.. وعموديا: بين مختلف أفراده وطبقاته وشرائحه وفئاته المتعددة والمتباينة المصالح والمواقع والأدوار.. ويندرج مفهوم "الجهة" بكل دلالاته وحوامله ضمن هذا السياق العام لتطور الديمقراطية في المجتمعات الغربية. إن "الجهة"، كمكون أساسي للمجتمع، ستصبح في ظل هذه الشروط ممتلكة لحقها في ممارسة الاختلاف والتميز في حاجاتها وأولوياتها واهتماماتها، وفي نهج مختلف الأساليب الديمقراطية للتعبير عن مطالب وخصوصيات هذا الاختلاف والتميز، بل ولهيكلة وتدبير هذا الاختلاف أيضا، وفق ما تمليه عليها ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والبشرية الخاصة.

+ تبلور المفاهيم المرتبطة بالتنظيم العقلاني للمجتمع: "Organisation Rationnelle"، وذلك على اعتبار أن هذا التنظيم، كمفهوم جديد، يقوم على استراتيجية بناء تنظيم المؤسسات والمجالات الاجتماعية على أساس عقلاني رشيد، يرتكز، في سياسة إسناد المهام والوظائف والمسؤوليات –وسواء بالنسبة للأفراد أو المؤسسات أو الجهات- على الكفاءات والخبرات الفنية والاجتماعية لا على الهويات أو العلاقات القرابية والزبونية أو غيرها من الاعتبارات اللاعقلانية، التي ما تزال مهيمنة بشكل كبير في مجتمعاتنا الثالثية. لقد كانت هذه "الفلسفة التنظيمية" نقلة نوعية في المجتمع الحديث، ليس فقط على مستوى الفكر، بل على مستوى الممارسة الاجتماعية كذلك.

+ في إطار هذه التحولات الآنفة أيضا، برز مفهوم أساسي ألا وهو مفهوم التخطيط للتنمية: Planification في مختلف المجالات والمستويات، وطنية كانت أو جهوية، وذلك على اعتبار أن هذا التخطيط رصد للحاجات والإمكانات.. وبلورة للاستراتيجيات التدبيرية الكفيلة بتفعيل هذه الإمكانات وتلبية هذه الحاجات. إن هذه الشروط كلها سوف تدعم السيرورة الديمقراطية لصنع القرار، الذي سوف لن يصبح –في إطار هذا التخطيط العقلاني المتكامل- خاضعا لرغبات أو أهواء أو مصالح محدودة ولا عقلانية، بل سوف يتم في إطار عقلاني منظم، تشارك فيه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb